السيد علي الطباطبائي
294
رياض المسائل ( ط . ق )
إلى تقييد المحرم عنه في بعض الآيات بالمسفوح فتدبر ومقتضاه مضافا إلى الأصل والعمومات ما عدا المسفوح من الدماء كدم الضفادع والقراد والسمك وهو ظاهر جملة من الأصحاب المستدلين به على طهارته كابني زهرة وإدريس والمختلف ولعله صريح الماتن في المعتبر في دم السمك حيث استدل فيه على طهارة دمه بأنه لو كان نجسا لوقفت إباحة أكله على سفح دمه بالذبح كحيوان البر لكن الإجماع على خلاف ذلك وأنه يجوز أكله بدمه وهو ظاهر في دعوى الإجماع عليه ولا بأس به في مورد عبارته لما ذكره مضافا إلى ما مر مع التأمل في خباثته ويشكل في غيره مما مر من القطع بخباثته فيشمله عموم ما دل على تحريم كل خبيث ولعل هذا أظهر وفاقا للأكثر بل لم أقف فيه على مخالف صريح عدا من مر ومن قيد المحرم من الدم بالمسفوح ولم يذكر تحريم غيره كالغنية والتعارض بين عموم ما دل على تحريم كل خبيث وعموم المفهوم فيما قيد فيه المحرم من الدم بالمسفوح وحصر فيه وإن كان تعارض العموم والخصوص من وجه والأصل والعمومات يرجح المحلل منهما إلا أن اعتضاد المحرم بعمل الأكثر يرجحه هذا مع ضعف المحلل بمخالفة مفهوم الحصر فيه الإجماع من الكل لدلالته على حل ما عدا الميتة والدم ولحم الخنزير والبناء فيه على التخصيص وحجية الباقي حسن إن بقي من الكثرة ما يقرب من مدلول العام وليس بباق بلا كلام ولا مقر عن هذا المحظور إلا بجعل الحصر إضافيا أو منسوخا وأيا ما كان يضعف الاستناد إليه في المقام كما لا يخفى على أولي الأحلام ومن هنا يتجه ما ذكره شيخنا في المسالك من أن الأصل في الدم التحريم إلا ما خرج بالنص والوفاق وكذا العلقة محرمة مطلقا ولو كانت الموجودة في البيضة المحللة للخباثة بلا شبهة سيما ما كان من نحو المرأة وفي نجاستها تردد واختلاف فبين قائل بها كالماتن في المعتبر والشهيد في الدروس والفاضل المقداد في التنقيح وفاقا للخلاف مدعيا عليه الوفاق محتجا به وبإطلاق ما دل على نجاسة الدم وبين مائل إلى الطهارة كالشهيد في الذكرى وصاحب المعالم وغيرهما لعدم انصراف الإطلاق إليها سيما التي في البيضة مع عدم معلومية تسمية ما فيها علقة فلا يشمله حكاية إجماع الخلاف المتقدمة وهو حسن إلا أن نجاسة العلقة من الإنسان بالإجماع المزبور ثابت وهو يستعقب الثبوت فيما في البيضة لعدم القائل بالفرق بين الطائفة فإذن أشبهه النجاسة مطلقا لكن مع تأمل في ثبوتها لما في البيضة بناء على التأمل في بلوغ عدم القول بالفرق المزبور درجة الإجماع المركب الذي هو الحجة والاحتياط واضح سبيله ولو وقع قليل دم نجس في قدر وهي تغلي لم يحرم المرق ولا ما فيه من اللحم والتوابل إذا ذهب الدم بالغليان وفاقا للشيخين والديلمي لكنه كالمفيد لم يقيد الدم بالقليل للخبرين أحدهما الصحيح قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل قال نعم النار تأكل الدم وفي الثاني عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم ومرق كثير قال يراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب واللحم اغسله وكله قلت فإن قطر فيه الدم قال الدم تأكله النار ومن الأصحاب من منع من المائع وأوجب غسل اللحم والتوابل وهو الحلي وهو حسن وعليه عامة المتأخرين أخذا بالأصل المعتضد بعملهم والتفاتا إلى ضعف الخبرين عن المقاومة له لذلك سيما مع ضعف سند الثاني ومخالفة ما فيهما من التعليل للإجماع المنعقد على الظاهر على عدم حصول التطهير بالنار إلا بالاستحالة المفقودة في مفروض المسألة وبالجملة الحال فيه كما لو وقع غيره من النجاسة كالخمر والنبيذ المسكر والفأرة والأصل فيه بعد الأصل المتقدم السليم هنا عن المعارض بالكلية الإجماع الظاهر من العبارة والمحكي في التحرير والدروس والرواية الثانية الصريحة في المطلوب كالقوية عن قدر طبخت فأذن في القدر فأر قال يهراق مرقه ويغسل لحمه ويؤكل وصريحها كالرواية الأولى حجة على المحكي عن ضى من أنه مع كثرة النجاسة لا يؤكل شيء مما في القدر سواء كان مائعا أو غيره ويضعفه أيضا الإجماع المحكي المتقدم وأن ما ليس بمائع يطهر بالغسل فلا وجه لتعطيله عن الانتفاع به قيل واعلم أن التقي وافق الشيخين فيما قالا إلا أنه أطرد الحكم في النجاسات كلها ولعل وجهه فحوى التعليل المتقدم في الصحيح وفيه أن متعلقه الدم خاصة فلا يتعدى به إلى غيره ولذا أن الخبر الثاني الذي بعده مع تضمنه التعليل المزبور بعينه قد فرق فيه بين الدم وغيره فتأمل [ الثالث كل مائع لاقته نجاسة ] الثالث كل مائع لاقته نجاسة عينية أو عرضية فقد نجس إجماعا فتوى ودليلا ويحرم أكله لما مضى من حرمة الأعيان النجسة مطلقا الشاملة للمتنجسات أيضا ولذا لم يذكر التحريم هنا اتكالا على ما مضى والنجاسة العينية كثيرة تقدم ذكرها في كتاب الطهارة وقد أشار الماتن إلى جملة منها هنا فقال كالخمر وفي معناه الفقاع وكل مسكر والعصير العنبي خاصة أو مطلقا على قول فيهما والميتة والدم من ذي النفس السائلة لا غيره والكافر الحربي وفي حكمه المرتد وإن انتحل بالإسلام مع جحده لبعض ضرورياته وفي نجاسة الذمي روايتان أظهرهما وأشهرهما النجاسة بل عليه إجماع الإمامية كما في كلام جماعة بحد الاستفاضة فصاعدا تقدم في كتاب الطهارة ذكرها مفصلا وقد علم ثمة أن الرواية الثانية الدالة على الطهارة مع شذوذها وندرة القائل بها جدا محمولة على التقية من العامة العمياء وفي رواية ثالثة أنه إذا اضطر إلى مؤاكلته أمره بغسل يده وهي وإن كانت صحيحة إلا أنها متروكة لا عامل بها عدا الشيخ في النهاية مع أنه قد صرح قبل ذلك بأسطر قليلة بأنه لا يجوز مؤاكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال أوانيهم إلا بعد غسلها بالماء وأن كل طعام تولاه بعض الكفار بأيديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز أكله لأنهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إياه وهذا الكلام صريح في الحكم بنجاستهم فلا بد من حمل كلامه الآخر المطابق لمضمون الخبر على خلاف ظاهره إذ من المستبعد جدا الرجوع عن الحكم في هذه المسافة القصيرة وإبقاؤه مثبتا في الكتاب ولعل مراده المؤاكلة التي لا تتعدى معها النجاسة كأن يكون الطعام جامدا أو في أوان متعددة ويكون وجه الأمر بغسل يديه إرادة تنظيفهما من آثار القاذورات التي لا ينفك الكافر عنهما غالبا فمؤاكلته على هذه الحالة بدون غسل اليد مظنة حصول النفرة وقد تعرض الماتن في نكت النهاية للكلام على عبارة النهاية الموافقة لمضمون الرواية